سعيد أيوب
358
الانحرافات الكبرى
وبالجملة فإن الدعوة الإلهية . لا يستقيم أمرها إلا أن توضع على الاختيار الإنساني . من غير اضطرار وإلجاء . فالدار دار اختيار لا تتم فيها للإنسان سعادته الحقيقية إلا مسلوك مسلك الاختيار . واكتسابه لنفسه أو على نفسه ما ينفعه في سعادته ويضره . وسلوك أي الطريقين رضى لنفسه أمضى الله سبحانه له ذلك قال تعالى : ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) ( 139 ) فإنما هي هداية وإراءة للطريق . ليختار ما يختاره لنفسه . من التطرق والتمرد . من غير أن يضطر إلى شئ من الطريقين ويلجأ إلى سلوكه . بل يحرث لنفسه ثم يحصد ما حرث . قال تعالى : ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) ( 140 ) فليس للإنسان إلا مقتضى سعيه . فإن كان خيرا أراه الله ذلك . وإن كان شرا أمضاه له . قال تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) ( 141 ) ولما كانت الدعوة الإلهية لا يستقيم أمرها إلا أن توضع على الاختيار الإنساني من غير اضطرار وإلجاء . فلا محيص عن أن يكون الرسول الحامل لرسالات الله أحدا من الناس . يكلمهم بلسانهم فيختاروا لأنفسهم السعادة بالطاعة ، أو الشقاء بالمخالفة والمعصية . من غير أن يضطرهم الله إلى قبول الدعوة بآية سماوية يلجئهم إليه وإن قدر على ذلك كما قال : ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ) ( 142 ) فلو أنزل الله إليهم ملكا رسولا . لكان من واجب الحكمة أن يجعله رجلا مثلهم فيربح الرابحون باكتسابهم ويخسر الخاسرون . فيلبسوا الحق بالباطل على أنفسهم وعلى أتباعهم كما يلبسون مع الرسول البشري . فيمضي الله ذلك ويلبس عليهم كما لبسوا . قال تعالى : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ( 143 ) . فإنزال الملك رسولا . لا يترتب عليه من النفع والأثر أكثر مما يترتب على
--> ( 139 ) سورة الإنسان ، الآية : 3 . ( 140 ) سورة النجم ، الآيات : 39 - 41 . ( 141 ) سورة الشورى ، الآية : 20 . ( 142 ) سورة الشعراء ، الآيتان : 3 - 4 . ( 143 ) سورة الصف ، الآية : 5 .